سيد محمد طنطاوي

227

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويروى أنه صلَّى اللَّه عليه وسلم سألهم فسكتوا ، فنزل : * ( قُلْ حَسْبِيَ اللَّه . . . ) * « 1 » . أي : قل - أيها الرسول الكريم - في الرد عليهم وفي السخرية من آلهتهم : اللَّه - تعالى - الخالق لكل شيء ، كافينى في جميع أموري ، وعاصمنى من كيدكم وكيد من تتوهمون كيده ، وعليه وحده لا على غيره يتوكل المتوكلون ، لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته وقدرته . ثم أمره - سبحانه - مرة أخرى أن يتحداهم وأن يتهددهم فقال : * ( قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) * . أي : وقل لهم للمرة الثالثة : اعملوا ما شئتم عمله من العداوة لي ، والتهديد بآلهتكم . والمكانة مصدر مكن - ككرم - ، يقال : مكن فلان من الشيء مكانة ، إذا تمكن منه أبلغ تمكن . أي : اعملوا ما في إمكانكم عمله معي . والأمر للتهديد والوعيد . * ( إِنِّي عامِلٌ ) * أي : إني سأقابل عملكم السيئ بعمل أحسن من جانبي ، وهو الدعوة إلى وحدانية اللَّه ، وإلى مكارم الأخلاق . * ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * من منا الذي ينجح في عمله ، ومن منا يأتيه عذاب يخزيه ويفضحه ويهينه في الدنيا ، ومن منا الذي يحل عليه عذاب مقيم في الآخرة . فالمراد بالعذاب المخزى عذاب الدنيا ، والمراد بالعذاب المقيم عذاب الآخرة . ولقد تحقق ما توعدهم - سبحانه - به ، حيث أنزل عليهم عقابه في بدر وفي غيرها فأخزاهم وهزمهم ، أما عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى . ثم أخذت السورة الكريمة في تسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم عما أصابه منهم ، فقال - تعالى - : * ( إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ . . . ) * . أي : إنا أنزلنا عليك - أيها الرسول الكريم - القرآن لأجل منفعة الناس ومصلحتهم ، وقد أنزلناه متلبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل . * ( فَمَنِ اهْتَدى ) * إلى الصراط المستقيم ، وإلى الحق المبين فهدايته تعود إلى نفسه * ( ومَنْ ضَلَّ ) * عن الطريق المستقيم ، فإثم ضلاله . إنما يعود على نفسه وحدها . * ( وما أَنْتَ عَلَيْهِمْ ) * يا محمد * ( بِوَكِيلٍ ) * أي : بمكلف بهدايتهم ، وبإجبارهم على اتباعك ، وإنما أنت عليك البلاغ ، ونحن علينا الحساب .

--> ( 1 ) الكشاف ج 4 ص 129 .